الحاج ميرزا علي الإيرواني الغروي

39

حاشية المكاسب

الرّوايات للاستدلال بها على الكراهة أخرى ونحوها الرّواية الَّتي أشار إليها هنا أعني قوله لا تستحبّ شيئا من اللَّعب بل الكراهة والقبح في الجملة عقليّة فإن الاشتغال بما لا يعني لا يليق بالعاقل ولعلَّه المراد بالباطل الَّذي حكم به الرّاوي جوابا لسؤال الإمام ع فإنه لا يراد منه الباطل الشّرعيّ قطعا لفرض جهله بالحكم قوله قدس سره وهي من الكبائر ويكشف عنه تشريع الحدّ له في صحيحة ابن سنان فإنّ الحدّ عقاب دنيويّ وقد وعد اللَّه التّكفير عنه مع اجتناب الكبائر بقوله عزّ شأنه إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر عنكم سيّئاتكم قوله قدس سره والظَّاهر أنه مراد الكلّ وعليه فلا تكون القيافة عنوانا مستقلَّا للتحريم يحتاج إلى الاستدلال بل نظير التّطفيف أو أولى منه ولكن لا يبعد أن يقال إنّ الإتيان إلى القافة للسّؤال عن النّسب إذا خيف حصول القطع منه محرّم نظير الخوض في المقدمات العقليّة لمعرفة مناطات أحكام الشّرع المنتهية إلى القطع بها مع كثرة خطإها لكن حرمته حرمة عقليّة يعني لو خاض وأخطأ لم يعذر قوله قدس سره كما يشهد به ما عن الكافي لا شهادة في الرّواية على إنكار ذلك على العامّة بل الظَّاهر منها أنّ الخاصّة أيضا كانوا يعتقدون بقضاء رسول اللَّه ص بقول القافة وأمّا قول الرّضا ع وأمّا أنا فلا فلعلَّه لأجل أنّه كان قاطعا بنسب ابنه لا يشكّ فيه بل هو المتعيّن وإلَّا لما أمرهم بالرّجوع إلى القافة بل نهاهم عنه وأنكر عليهم ذلك إلَّا أن يقال إنّ أمر الإمامة لما كان مهمّا وتوقّف إثباته على ذلك ساغ الرّجوع إليهم ومع ذلك في النفس من الرّواية شيء فإنّ الجماعة المذكورين لو كانوا معتقدين بإمامة الرّضا ع كفاهم إخباره ولم يتوقّفوا في قبول قوله حتّى يخبرهم القافة قوله قدس سره بضرورة العقول والأديان ضرورة العقول مختصّة بما إذا ترتّب على الكذب مفسدة وبهذا العنوان يحرم كلّ شيء حتّى الصدق لا خصوص الكذب ولو سلَّم فالعقل لا يرى الكذب إلَّا خلقا رديّا لا محرّما قوله قدس سره إلَّا أن الَّذي ينبغي الكلام فيه الأحرى بالكلام هو تحقيق موضوع الكذب وأنّه هو عدم مطابقة الكلام للواقع أو عدم مطابقته للاعتقاد أو مخالفته للاعتقاد والثمرة بين الأخيرين تظهر فيما إذا تكلَّم بالجملة الخبريّة شاكَّا غير معتقد لثبوت مضمون الجملة ولا ثبوته فعلى الأوّل كذب دونه على الأخبر هذا في احتمالات المطابق بالفتح وأمّا احتمالات المطابق بالكسر فهل العبرة بلا مطابقة ظهور الكلام ظهورا أوّليا كان أو ثانويا حاصلا بالقرينة أو العبرة بلا مطابقة المراد منه فعلى الأوّل التّورية كذب دونه على الأخير فالاحتمالات ستّة حاصلة من ضرب الثلاثة الأول في الاحتمالين الأخيرين والظَّاهر المتبادر عرفا أوّل الاحتمالات الأول وآخر الاحتمالين الأخيرين يعني أنّ العبرة بلا مطابقة المراد للواقع والظهور طريق إلى المراد كما أنّ الاعتقاد طريق إلى الواقع من غير أن يكون لهما موضوعيّة ويستفاد هذا من أخبار كثيرة دلَّت على أنّ التورية ليس كذبا والكذب في قوله تعالى * ( وا لله يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ) * بمعنى اللَّامطابقة للواقع لأنّ الشهادة إخبار عن الاعتقاد مقابل الأخبار الَّذي هو إخبار عن الواقع فواقعها هو الاعتقاد فلو لم تطابقه كانت كذبا غير مطابق للواقع ثم لو شككنا ولم يتعيّن لنا مفهوم الكذب فالقدر المتيقّن هو مخالفة الظهور والمراد جميعا للواقع والاعتقاد جميعا وفيما عدا ذلك يرجع إلى أصالة البراءة نعم لو قلنا بأنّ مناط حرمة الكذب ومفسدته مترتّب على ستر الواقع على الغير وإظهار خلاف الواقع وإيقاعه في الاشتباه كان ذلك حاصلا بمخالفة الظهور للواقع بل بمخالفة ما يفهمه المتكلَّم من الكلام ولو لم يكن هو الظهور كما في زيد ليس هنا وهو يريد محلّ قيامه والمخاطب يفهم أنه ليس في الدّار أو علم اللَّه ما قلته وهو يريد الماء الموصولة والمخاطب يفهم النّافية فإنّ الفهمين غير مستندين إلى الظهور والعبارة قابلة للأمرين وهكذا في إطلاق كلّ لفظ مشترك يفهم المخاطب أحدهما والمتكلَّم يريد الآخر لكن التّحريم بمناط الكذب غير نفس الكذب والكلام في نفس الكذب مع أنه لا سبيل إلى القطع بالمناط قوله قدس سره فإنّ مفتاح الخبائث كلَّها كبيرة لا محالة كونه مفتاحا للخبائث لا يقتضي الحرمة فضلا عن كونها كبيرة فلعلّ مفتاحيّته من جهة أنّه يوجب حالة جرئة للنّفس على اختيار الخبائث والمحرّمات مثل ما ورد من الأمر باجتناب الشبهات كي لا يتجرأ على ارتكاب المحرّمات ومقدّمة اختيار الحرام ليست بحرام ولذلك نقول بوجوب اجتناب الشبهات مع كونها مفتاحا لارتكاب المعاصي قوله قدس سره بقوله تعالى * ( إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ) * ظاهر الآية أنّ الكذب مسبوق بعدم الإيمان لا أنه علَّة له موجب لسلب الإيمان فالآية نظير ما دلّ على أنّ العاصي لا يعصي وهو مؤمن بل يسلب عنه الإيمان حينما يهم بالمعصية قوله قدس سره فإنّها ظاهرة باختصاص لا ظهور لها في الاختصاص بل غايتها الإشعار ولا عبرة بالإشعار سيّما في مقابل الإطلاقات قوله قدس سره ويستفاد منه أن عظم الكذب معلوم أن عظمه يكون بذلك لكن هذا غير العظم بالمعنى المبحوث عنه فربّما كان العظيم والحقير بالمعنى الأوّل كلاهما عظيمين بالمعنى الثاني فالكذب كبيرة بجميع أفراده وما يترتّب عليه ضرر أعظم أعظم ممّا يترتّب عليه ضرر أضعف قوله قدس سره يدلّ على أنّ الكذب من اللَّمم لا يدلّ على ذلك فإنّ الكذب والغيبة وسائر المعاصي العامّة البلوى لا يخلو منها أحد من أوّل بلوغه إلى آخر عمره ومجرّد ذلك لا يجعله من اللَّمم وإلَّا لم يحتج إلى الاستدلال له بهذه الرّواية ولم تزد الرّواية إلَّا أن نبهت على ذلك الأمر الواقعي وهو عدم انفكاك أحد من الكذب وقد نبّهت أيضا على أن عنوان الكذّاب لا يحصل بمجرّد الكذب وهذا أيضا أمر معلوم فإنّ صيغة المبالغة في المقام هي بمعنى من عوّد نفسه بالكذب وهذا لا يحصل بمجرّد اتّفاق الكذب في بعض الوقائع وبالجملة الرّواية لا تدلّ على أمر مستور على أحد ليستدلّ بها على إثبات أمر قوله قدس سره وفيه أيضا إشعار بل فيه دلالة على أنّ الكذب يولَّد ويستتبع عنوان الفجور استتباع الفجور النّار بلا تخلَّف بل هذا التعبير صحيح حتّى مع انطباق عنوان الفجور على الكذب كانطباق عنوان الإحراق على الإلقاء فيقال الإلقاء سبب للإحراق هذا مع أنّه لو بني على الأخذ بظاهر الرّواية كان مقتضاها عدم ترتّب العقاب على الكذب وإنّما كان العقاب على الفجور المتولَّد منه قوله قدس سره مع إضمار عدم الوفاء بل مع العلم بعدم الوفاء ولو لأجل عدم التمكَّن وإن هو أضمر الوفاء لو تمكَّن قوله قدس سره بل الظاهر عدم كونه كذبا حقيقيا فإنّ الوعد عنوان جملة خبريّة أخبرت عن العزم على خير وإحسان مستقبل كما أنّ الوعيد عكس ذلك عنوان الإخبار عن البناء على شرّ وعقاب مستقبل فليس ما به الوعد إلَّا جملة خبريّة نعم نفس الوعد كنفس عنوان الإخبار حاصل بالتكلَّم بالجملة الخبريّة قوله قدس سره وكيف كان فالظاهر عدم لا يكاد يتوهّم دخول خلف الوعد في الكذب ولا كان ذلك محلّ الكلام وقد قصر هو ره الرّواية بحرمة الوعد المقارن بإضمار عدم الوفاء كما في بعض الروايات الآتية ويحتمل أن يراد حرمة الوعد في موضوع العلم بعدم الوفاء ولو من غير إضمار لعدم الوفاء بل ولو مع الإضمار بالوفاء إذا تمكَّن لكن علم بعدم التمكَّن قوله قدس سره حرمة الكذب حتى في الهزل بل ظاهرهما رجحان الاجتناب بالأعمّ من الإلزامي وغير الإلزامي كما هو مقتضى مادّة اتقوا ومادّة لا يصلح ولا ينافي هذا حرمة قسم الجدّ بل يمكن أن يقال إن اتقوا في المرسلة للاستحباب وذلك باعتبار المجموع من حيث المجموع من الجدّ والهزل فلا ينافي وجوب اجتناب قسم الجدّ ويشهد لما قلناه ما اشتملت عليه من التّعليل قوله قدس سره ويمكن أن يراد به الكذب في مقام الهزل إن كان الكذب كذب جدّ لا كذب هزل وإن كان صادرا في مقام الهزل لم يكن من محلّ توهّم الجواز ليصرّح بتعميم التّحريم لعدم اختصاصه بخصوصيّة من سائر أفراد الكذب الجديّ مع أنّه لو أريد من الكذب